مقالات الرأي

02 أيار , 2026

طائرات حزب الله المسيّرة بالألياف الضوئية: سلاح منخفض التكلفة يربك دفاعات إسرائيل المتطورة

خاص الساحات/الكاتب:محمود حسن


في تحول لافت في طبيعة المواجهة العسكرية على الجبهة اللبنانية، برزت في الأسابيع الأخيرة فئة جديدة من الطائرات المسيّرة الهجومية التي يستخدمها حزب الله، تُعرف باسم الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية (Fiber-Optic Drones)، لتفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا يضع أنظمة الدفاع الإسرائيلية المتقدمة أمام تحدٍ غير مسبوق.
وبحسب تقارير إعلامية دولية وإسرائيلية، فإن هذه الطائرات الصغيرة، التي يتم التحكم بها عبر كابل ألياف ضوئية رفيع للغاية يمتد خلفها أثناء الطيران، استطاعت تنفيذ ضربات دقيقة وإحداث خسائر بشرية ومادية، وسط صعوبة كبيرة في رصدها أو تعطيلها باستخدام وسائل الحرب الإلكترونية التقليدية.
سلاح جديد يتجاوز التشويش الإلكتروني
تختلف الطائرات المسيّرة بالألياف الضوئية عن المسيّرات التقليدية التي تعتمد عادة على موجات الراديو أو إشارات الأقمار الصناعية (GPS). ففي حين تستطيع منظومات الدفاع الحديثة التشويش على تلك الإشارات وإسقاط الطائرة أو تعطيلها، فإن المسيّرات الجديدة تعمل عبر اتصال مباشر مع المشغّل من خلال كابل ألياف ضوئية، ما يجعلها محصنة عمليًا ضد التشويش الإلكتروني.
ويؤكد خبراء أن غياب الإشارة اللاسلكية يعني أن هذه الطائرات لا تترك “أثرًا إلكترونيًا” يمكن اعتراضه، الأمر الذي يحرم أنظمة الدفاع من أحد أهم أدواتها في مواجهة المسيّرات.
ورغم أن هذا النوع من الطائرات ليس بلا عيوب—إذ يمكن للرياح أو التضاريس أو التشابك أن يتسبب في انقطاع الكابل—إلا أن المختصين يشيرون إلى أنها تصبح شديدة الفتك عندما تُستخدم بمهارة، خصوصًا لقدرتها على الطيران على ارتفاع منخفض والتسلل نحو الأهداف دون اكتشاف مبكر.
خسائر وإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي
شهدت الأيام الأخيرة تسجيل هجمات متعددة نُسبت إلى هذا النوع من الطائرات. ووفق تقارير صحفية، تسببت المسيّرات في مقتل و اصابة العديد من الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان وشمال فلسطين، بينهم حالات خطيرة، إضافة إلى مقتل مقاول دفاعي في حادث منفصل.
كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن هجوم وقع في بلدة الطيبة جنوب لبنان، حيث اصطدمت طائرة هجومية محملة بالمتفجرات بوحدة إسرائيلية، وأعقب ذلك إطلاق طائرات إضافية أثناء وصول مروحية إجلاء طبي، ما أدى إلى حالة ارتباك ميداني وسط صعوبة التعامل مع التهديد في الوقت المناسب.
لماذا يصعب اكتشاف هذه الطائرات؟
يرى محللون أن خطورة هذه المسيّرات لا تكمن فقط في أسلوب التحكم، بل أيضًا في خصائص تصنيعها. فبحسب تقارير، يتم تصنيع بعضها من مواد خفيفة مثل الألياف الزجاجية، مما يجعل بصمتها الحرارية والرادارية ضعيفة للغاية، وبالتالي تصبح “شبه غير مرئية” بالنسبة للرادارات التقليدية.
وتزداد صعوبة اعتراضها بسبب عوامل أخرى مثل:
حجمها الصغير للغاية
سرعتها العالية
طيرانها على ارتفاع منخفض جدًا
قصر مدة اقترابها من الهدف قبل الضربة
وقال مسؤولون عسكريون إسرائيليون إن هذه العوامل تجعل اعتراضها مهمة معقدة، حتى بعد اكتشافها.
“تروفي” تحت الاختبار: اختراق حماية دبابات ميركافا
أحد التطورات المثيرة للقلق في التقارير الإسرائيلية هو أن بعض هذه المسيّرات نجحت في تجاوز نظام الحماية النشط الإسرائيلي المعروف باسم “تروفي”، المثبت على دبابات ميركافا، والذي صُمم لاعتراض الصواريخ والقذائف المضادة للدروع.
وتفيد تقارير بأن الطائرات تستخدم كاميرات عالية الدقة تنقل الفيديو عبر الكابل بشكل مباشر، ما يسمح للمشغّل بتوجيهها يدويًا نحو نقاط ضعف محددة في الدبابة، مثل الجنزير أو البرج، بدلًا من الاصطدام العشوائي.
حلول ميدانية بدائية وإحباط داخل الجيش
مع غياب حل تقني فوري، لجأت بعض الوحدات الإسرائيلية إلى إجراءات ميدانية “مرتجلة”، مثل وضع شبكات وأسلاك فوق المواقع العسكرية والآليات، على أمل أن تتشابك الطائرة أو ينقطع الكابل قبل وصولها للهدف.
وفي تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، أقر قادة ميدانيون بأن التعامل مع هذا النوع من المسيّرات بات يعتمد بشكل كبير على اليقظة وإطلاق النار المباشر عند رصدها، وهي إجراءات لا تعتبر كافية في مواجهة سلاح سريع وصغير ومباغت.
ويشير محللون إلى أن إسرائيل ركزت لسنوات على تطوير منظومات اعتراض الصواريخ مثل القبة الحديدية وغيرها، بينما لم تُعطِ ملف المسيّرات الأولوية نفسها، رغم التحذيرات المتكررة بعد ظهور هذه التكنولوجيا في أوكرانيا.
امتداد لتجربة أوكرانيا: سباق الطائرات المسيّرة
يربط خبراء ظهور هذه الطائرات بتطورات الحرب في أوكرانيا، حيث أدى الاستخدام الواسع للتشويش الإلكتروني إلى دفع الطرفين لتطوير حلول بديلة، أبرزها المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.
وفي بعض الحالات، تم رصد كابلات تمتد لمسافات طويلة وصلت إلى نحو 50 كيلومترًا. كما أظهرت لقطات مصورة من جبهات أوكرانيا حقولًا مغطاة بخيوط تشبه شبكات العنكبوت نتيجة كثافة الاستخدام.
ويرى مراقبون أن حزب الله استفاد من هذه التجربة، وطور قدراته ضمن سياق “حرب التكنولوجيا منخفضة الكلفة” التي تعتمد على أدوات بسيطة لكنها فعالة.
هل تُصنع محليًا أم وصلت عبر السوق السوداء؟
تطرح التقارير أسئلة مهمة حول مصدر هذه المسيّرات. فبينما تشير تقديرات إسرائيلية إلى أنها قد تكون مصنّعة محليًا اعتمادًا على طائرات تجارية جاهزة وكميات صغيرة من المتفجرات وكابلات متوفرة في الأسواق، تذهب تحليلات أخرى إلى احتمال أن تكون بعض هذه الأنظمة قد وصلت إلى لبنان عبر السوق السوداء.
وتتحدث بعض التقارير عن احتمال أن تكون هذه المسيّرات قد سُربت من مخزون الحرب الأوكرانية أو أعيد بيعها، أو أنها من منشأ صيني أو روسي، دون وجود تأكيد رسمي حتى الآن.
كما أشار محللون إلى أن أوكرانيا باتت تمتلك صناعة محلية ضخمة لإنتاج هذا النوع من الطائرات، ما يجعل مسألة انتقال التكنولوجيا أو الخبرات أمرًا واردًا في ظل الحروب المفتوحة.
إسرائيل تسعى لدعم أميركي أوسع
أمام هذا التطور، أفادت تقارير إسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصدر تعليمات بتسريع تطوير وسائل مواجهة تكنولوجية لهذه المسيّرات، في محاولة لإغلاق الفجوة الدفاعية التي ظهرت بوضوح على الأرض.
وفي الوقت نفسه، تشير تقارير إلى أن قيادة الجيش الإسرائيلي في الشمال تضغط للحصول على هامش عملياتي ودبلوماسي أوسع من الولايات المتحدة، يسمح بتكثيف الضربات الجوية والمدفعية ودفع خلايا تشغيل المسيّرات بعيدًا عن مناطق انتشار القوات البرية، خاصة في ظل ضعف قدرة الجيش اللبناني على فرض التهدئة أو ضبط انتشار السلاح.
حرب غير متكافئة ومعادلة جديدة
يصف خبراء هذا التطور بأنه يمثل شكلًا جديدًا من الحروب غير المتكافئة، حيث تستطيع جماعة مسلحة باستخدام طائرة لا تتجاوز قيمتها بضع مئات من الدولارات، إرباك منظومات دفاعية بمليارات الدولارات.
وبينما تملك إسرائيل تفوقًا جويًا وتقنيًا واضحًا، فإن المسيّرات بالألياف الضوئية تفرض تحديًا مختلفًا: سلاح صغير، صامت، سريع، غير قابل للتشويش، يصعب رصده قبل فوات الأوان.
ويبدو أن هذه التكنولوجيا ستفرض نفسها كأحد أبرز عناصر الصراع في المرحلة المقبلة، ما لم يتم تطوير حلول دفاعية متخصصة قادرة على اكتشافها واعتراضها مبكرًا أو تعطيلها ميدانيًا.

 

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen