اقتصاد ومال

05 أيار , 2026

حظر تطبيق العقوبات.. بكين تواجه "الغضب الاقتصادي" الأميركي

أصدرت وزارة التجارة الصينية في الثاني من أيار/مايو الجاري مرسوماً قضائياً يحظر على أي جهة في الأراضي الصينية الاعتراف بالعقوبات الأميركية المفروضة على خمس شركات تكرير صينية، أو إنفاذها، أو الامتثال لأحكامها، بدعوى أن تلك العقوبات تنتهك القانون الدولي والأعراف الناظمة للعلاقات بين الدول، وتنطوي على تطبيق غير مشروع لولاية قضائية خارج الحدود.

والشركات المستهدفة هي مصفاة "هنغلي للبتروكيماويات" في داليان، وأربع شركات تكرير خاصة في مقاطعتَي شاندونغ وخبي. والقرار غير مسبوق في صيغته القانونية، إذ يحوّل رفض بكين السياسي للعقوبات الأحادية إلى أداة تنفيذية ملزمة داخل الأراضي الصينية، ويرسي سابقة في مواجهة الذراع المالية الأميركية التي تعوّدت أن تعمل دون اعتراض فعلي من القوى الكبرى المنافسة.

جاء المرسوم بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها إدارة دونالد ترامب ضمن حملة سمّاها وزير الخزانة سكوت بيسنت "عملية الغضب الاقتصادي"، بهدف خنق إيرادات إيران النفطية عبر استهداف المشتري الأكبر لخامها، أي الصين. ففي 24 نيسان/أبريل، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية شركة "هنغلي" ذات الطاقة التكريرية البالغة 400 ألف برميل يومياً ضمن قائمة العقوبات، وهي أكبر مصفاة صينية تُستهدف منذ عام 2019، إلى جانب نحو أربعين شركة شحن وناقلة من "أسطول الظل" الإيراني. وفي الأول من أيار، أُضيفت شركة "تشينغداو هاييه" لتشغيل محطات النفط، ومعها ثلاث شركات صرافة إيرانية متهمة بتحويل عائدات بيع النفط من اليوان إلى عملات أخرى.

لكن أخطر ما أقدمت واشنطن عليه في هذه المرحلة لم يكن العقوبات على الشركات بحد ذاتها، بل التهديد بفرض عقوبات ثانوية على المؤسسات المالية الأجنبية. ففي الخامس عشر من نيسان، كشف بيسنت أن الخزانة وجّهت رسائل إلى بنكين صينيين، وإلى مؤسسات في هونغ كونغ والإمارات وعُمان، تنذرها بالعقوبات إذا ثبت تدفق أموال إيرانية عبر حساباتها. وفي التاسع والعشرين من الشهر ذاته، صدر بيان يطالب البنوك العالمية بـ"التدقيق المعزز" في تعاملاتها مع مصافي شاندونغ. وبموازاة ذلك، كان ترامب قد أصدر في كانون الثاني/يناير أمراً بفرض رسوم 25% على واردات الدول المتعاملة مع طهران رفعت الرسوم الإجمالية على البضائع الصينية إلى نحو 45%، وهدّد في نيسان الماضي بمضاعفتها إلى 50% إذا واصلت بكين دعم إيران.

هذه المنظومة من الإجراءات ارتكزت على رهان مركزي مفاده أن الصين، التي كانت تستورد ما بين 80 و90% من صادرات النفط الإيراني قبل اندلاع الحرب، ستضطر إلى قطع شريان الحياة الاقتصادي عن طهران تحت وطأة الضغط على بنوكها وشركاتها، وأن قمة ترامب-شي المؤجلة إلى 14-15 أيار/مايو ستكون أداة إضافية لانتزاع تنازلات. كما راهنت واشنطن على السلوك السابق للبنوك الصينية الكبرى، التي درجت تاريخياً على الامتثال للعقوبات الأميركية على إيران وكوريا الشمالية حفاظاً على وصولها إلى نظام المقاصة بالدولار. ولكن هذا الرهان أساء قراءة طبيعة المرحلة، إذ تجاهل أن واشنطن لم تعد تحتفظ بقدرتها على التهديد الرادع كما كان الحال قبل عقد من الزمن.

في المقابل، تدرّجت بكين في ردّها على نحو يكشف خطّة محسوبة لا ردود أفعال متفرقة. فعلى المستوى التشريعي، أصدر مجلس الدولة في 7 نيسان الماضي لوائح جديدة بشأن أمن الصناعة وسلاسل التوريد، تخوّل السلطات صلاحيات التحقيق ومعاقبة الكيانات الأجنبية التي تتبنى ما تعدّه بكين "إجراءات تمييزية". وعلى المستوى السياسي، طالب المتحدث باسم الخارجية لين جيان، في السابع والعشرين من الشهر ذاته، الولايات المتحدة بالتوقف عن إساءة استخدام العقوبات والولاية القضائية العابرة للحدود، فيما وصفت السفارة الصينية في واشنطن قرارات الخزانة بأنها تسييس للتجارة. ثم جاء مرسوم الثاني من أيار ليتوّج هذا المسار التصاعدي بفعل قانوني ملزم يُقصي العقوبات الأميركية من المنظومة القضائية الصينية برمتها.

ومن الناحية العملية، واصلت الصين خلال أول شهرين في الحرب تلقّي ما لا يقل عن 11.7 مليون برميل من النفط الإيراني عبر مضيق هرمز، الذي أغلقته طهران في وجه السفن الأخرى مع استثناء الناقلات الصينية والهندية والكورية والمصرية مقابل رسوم مرور، إذ تجري بعض هذه الصفقات باليوان عبر بنوك صغيرة كبنك "كونلون" خارج نطاق نظام سويفت. وعلى الصعيد الدبلوماسي، طرحت بكين بالاشتراك مع إسلام آباد في 31 آذار مبادرة من خمس نقاط لوقف الحرب وحماية الملاحة في مضيق هرمز، وتولّى وانغ يي خلال نيسان تواصلاً متّصلاً مع نظيره الإيراني عباس عراقتشي ومع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، في إطار تموضع بكين وسيطاً مسؤولاً يدعو إلى وقف إطلاق النار وحل سياسي، في مقابل واشنطن التي يصفها الجميع مصدراً للفوضى.

والمفارقة التي تكشفها المعطيات أن كل أداة من أدوات الضغط الأميركي ارتدّت على واشنطن بصورة معكوسة. فالعقوبات على "هنغلي" – وغيرها – لم تؤدِّ إلى انسحابها، بل دفعت بكين إلى إصدار حماية قانونية شاملة للشركة. والتهديد للبنوك لم يُحدث الذعر المتوقع، بل قدّم لحساب "يويوان تانتيان" المرتبط بهيئة البث الرسمية الصينية مادةً لتصوير الشركات الصينية ضحية لصراع تختلقه واشنطن. وتأجيل قمة بكين من قبل ترامب في 17 آذار الماضي باعتباره أداة ضغط، انقلب إلى اعتراف ضمني بأن الإدارة الأميركية باتت في موقع المحتاج إلى دور صيني في إعادة فتح مضيق هرمز قبل اللقاء، وهو ما عبّر عنه السفير الصيني لدى الأمم المتحدة فو كونغ في الأول من أيار حين أكد أن قضية المضيق ستتصدر جدول أعمال القمة إذا بقي مغلقاً.

في خلفية هذا المشهد، تواصل الصين بناء أدوات ضغط اقتصادية موازية تكشف أنها لا تتعامل مع الحرب على إيران بصفتها ملفاً منفصلاً، وإنما بصفتها امتداداً للمواجهة الأشمل مع واشنطن. فمرسوم 7 نيسان بشأن سلاسل التوريد، ومرسوم الثاني من أيار القاضي بحظر تطبيق العقوبات على الشركات الصينية، كلاهما يُنشئ أُطراً قانونية لم تكن موجودة من قبل، تحوّل موقف الرفض الصيني من موقف دبلوماسي إلى التزام تشريعي مُلزم للشركات الصينية. وتعكس هذه الإجراءات اقتناعاً صينياً بأن انكشاف واشنطن ميدانياً في غرب آسيا، وفشلها في حسم الحرب رغم استشهاد السيد علي خامنئي وتدمير بنية تحتية واسعة، يفتح للصين هامشاً غير مسبوق للدفاع عن مصالحها الحيوية. وعليه، فإن ما يجري اليوم بين واشنطن وبكين ليس حرباً تجارية تزداد توتراً بسرعة فحسب، وإنما أيضاً اختبار حقيقي لمرحلة ما بعد الأحادية القطبية الآخذة في التشكُّل.

Add to Home screen
This app can be installed in your home screen