لجنة دعم الصحفيين/صحفيو غزة تحت النار: أرقام دامية وشهادات من قلب الاستهداف
في الثالث من مايو من كل عام، يحتفل العالم بـ"اليوم العالمي لحرية الصحافة"، باعتباره مناسبة لتكريس الحق في الوصول إلى المعلومات، وحماية الصحفيين، وتعزيز بيئة إعلامية حرة ومستقلة. لكن في قطاع غزة، لا يبدو هذا اليوم احتفاليًا بقدر ما هو محطة لتوثيق الخسائر وقراءة سجلٍ ثقيل من الدم والمعاناة. هنا، تحوّلت الكاميرا إلى هدف، والميكروفون إلى تهمة، وأصبحت سترة الصحافة التي يفترض أن تحمي مرتديها، علامة قد تضعه في دائرة الاستهداف المباشر.
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش الصحفيون في غزة واقعًا غير مسبوق، حيث امتزجت مهنتهم بنضال يومي من أجل البقاء، في ظل حرب مدمّرة لم تستثنِ الإنسان ولا الحجر، ولا حتى الحقيقة نفسها.
أرقام صادمة توثق حجم الاستهداف
وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي ونقابة الصحفيين، فقد بلغت حصيلة الانتهاكات بحق الصحفيين منذ بدء الحرب:
262 صحفيًا شهيدًا
420 صحفيًا مصابًا
50 صحفيًا معتقلًا
3 صحفيين مفقودين
كما تشير الإحصائيات التفصيلية إلى تصاعد خطير عبر السنوات:
2023: استشهاد 102 صحفيًا وإعلاميًا
2024: استشهاد 91 صحفيًا
2025 حتى أكتوبر: استشهاد 59 صحفيًا، بينهم 34 صحفية
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسائر البشرية، بل تكشف نمطًا متصاعدًا من الاستهداف المنهجي الذي طال الأفراد والمؤسسات الإعلامية على حد سواء.
المؤسسات الإعلامية في مرمى الاستهداف
لم يقتصر القصف على الصحفيين، بل امتد إلى البنية التحتية الإعلامية، حيث تم:
تدمير عشرات المقرات الإعلامية بشكل كلي أو جزئي
استهداف سيارات البث المباشر
مصادرة معدات التصوير والبث
تعطيل عمل وكالات وقنوات محلية ودولية
هذا الاستهداف أدى إلى شلل جزئي في المشهد الإعلامي، وأجبر العديد من المؤسسات على العمل في ظروف بدائية أو التوقف الكامل.
الصحافة تحت القصف
يقول الصحفي قاسم العجل من غزة:"نخرج للتغطية ونحن نعلم أننا قد لا نعود. لم تعد المسألة نقل خبر، بل النجاة بالحياة. رأيت زملائي يُستهدفون بشكل مباشر، وبعضهم استشهد وهو يحمل الكاميرا."
وتروي الصحفية منار ، التي فقدت منزلها:"نزحت أكثر من مرة، وفقدت أدوات عملي، لكنني أواصل التغطية من الهاتف المحمول. أشعر أن صوتنا هو الشيء الوحيد الذي لم يُقصف بعد."
أما الصحفي رائد أبو سرية ، فيصف الوضع قائلاً:"الصحفي في غزة لم يعد فقط ناقلًا للحدث، بل أصبح جزءًا منه. نحن نغطي الألم الذي نعيشه شخصيًا."
انتهاكات متعددة الأشكال
إلى جانب القتل والإصابة، يواجه الصحفيون سلسلة واسعة من الانتهاكات، تشمل:
الاعتقال والاستدعاء والتحقيق
الاعتداء الجسدي والتهديد المباشر
اقتحام المنازل والنزوح القسري
حذف المحتوى الرقمي وحجب الحسابات
كما طالت الانتهاكات الفضاء الرقمي، حيث تعرضت حسابات صحفيين ومؤسسات إعلامية للحذف أو التقييد على منصات مثل فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب، ما حدّ من وصول الرواية الفلسطينية إلى العالم.
نزوح الصحفيين... معاناة مضاعفة
اضطر مئات الصحفيين إلى النزوح من منازلهم، بحثًا عن الأمان، إلا أن الخطر لاحقهم حتى في أماكن اللجوء. وتشير البيانات إلى استشهاد نحو 50 صحفيًا أثناء تواجدهم في مراكز الإيواء أو المنازل المؤقتة، ما يعكس غياب أي ملاذ آمن لهم.
الفئات الأكثر تضررًا
الصحفيون الميدانيون: الأكثر تعرضًا للإصابات المباشرة
الصحفيات: تعرضن للاستهداف بالقتل والملاحقة والاعتقال
الصحفيون الأجانب: واجهوا قيودًا ومنعًا من التغطية
"نغطي الحدث ونحن جزء منه" هكذا قالها الصحفي حسين كرسوع بان حرية الصحافة هنا شبه معدومة في ظل القصف المستمر. نحن نعمل في بيئة خطرة جدًا، حيث لا يوجد أي ضمان لسلامتنا. الصحفي قد يُستهدف في أي لحظة، سواء أثناء التغطية أو حتى داخل منزله.
وكما قال بان التحدي الأكبر هو الخوف الدائم من الاستهداف المباشر. بالإضافة إلى نقص المعدات وانقطاع الكهرباء والإنترنت. أحيانًا نضطر لنقل الأخبار عبر الهاتف أو بوسائل بدائية جدًا.
ويشير كرسوع بان العالم لم يشعر بنا لكي يسمع صوتتا الا القليل وهذا غير كافي
او إلى حد ما، لكن ليس بالشكل الكافي. هناك فجوة كبيرة بين ما نعيشه وما يصل للعالم.
اما الصحفية ايمان فقد"نواجه الخطر كصحفيات وكنساء" فنحن كالصحفيات يواجهن تحديات مضاعفة، ليس فقط بسبب الخطر العام، بل أيضًا بسبب الظروف الاجتماعية ومسؤوليات الأسرة. كثير من الزميلات فقدن منازلهن أو أفرادًا من عائلاتهن.
لقد تعرضت للتهديد المباشر، وتم استهداف المنطقة التي كنت أغطي فيها أكثر من مرة. كما واجهت مضايقات إلكترونية وحذفًا لمحتواي.
وأكدت على مواصلة العمل الميداني رغم كل الصعاب والمخاطر لأننا نؤمن أن نقل الحقيقة واجب. إذا صمتنا، ستُطمس الرواية بالكامل.
ومن جهة أخرى قال الصحفي أبو زين بان "الصحافة أصبحت مخاطرة يومية"
تغير كل شيء. كنا نعمل وفق خطط وتغطيات منظمة، أما الآن فنركض خلف الحدث في ظروف عشوائية وخطيرة.
فقدان زملاء لي أثناء التغطية. هذا أمر صعب جدًا نفسيًا، لكنه أصبح واقعًا متكررًا.
نحتاج حماية حقيقية للصحفيين، وليس فقط بيانات إدانة.
وأضاف أبو زين بان "الكاميرا أصبحت هدفًا" الاستهداف واضح ومباشر في كثير من الحالات. الكاميرا لم تعد وسيلة حماية، بل أصبحت مؤشرًا على أننا هدف.
لقد فقدت بعض من معداتي مثل المايك وجوالي الذي كنت استخدمه واللاب توب خلال قصف، واضطررت للعمل بهاتفي لفترة طويلة ، لكننا نحاول تقديم أفضل ما يمكن رغم الإمكانيات المحدودة.
"لا مكان آمن للصحaفي هكذا قالتها الصحفية اسيل : النزوح جعل العمل أكثر صعوبة. لا يوجد استقرار، ولا مكان مناسب للعمل أو حتى للراحة.
واضحت بصراحة، وبكل وضوع لا يوجد مكان امن بغزة حتى في مراكز الإيواء أو المستشفيات، الخطر موجود.
نستمر بعملنا لأننا نؤمن أن دورنا مهم. نحن نوثق ما يحدث، وهذه مسؤولية كبيرة.
تعكس هذه الشهادات واقعًا صعبًا تعيشه الصحافة في غزة، حيث تتقاطع المخاطر الأمنية مع التحديات المهنية والإنسانية. ورغم ذلك، يواصل الصحفيون عملهم بإصرار، مؤمنين بأن نقل الحقيقة هو خط الدفاع الأخير عن صوت الضحايا.
ما يجري في غزة ليس مجرد انتهاكات فردية، بل نمط متكامل من الاستهداف الذي يهدد جوهر العمل الصحفي وحق العالم في معرفة الحقيقة. الأرقام الثقيلة، والشهادات الحية، والدمار الواسع، جميعها تشير إلى واقع تتآكل فيه حرية الصحافة تحت وطأة الحرب.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يطالب صحفيو غزة بأكثر من حقهم الطبيعي: أن ينقلوا الحقيقة دون أن يكون ذلك ثمنه حياتهم. وبينما يواصلون عملهم في ظروف مستحيلة، يبقى السؤال مفتوحًا أمام المجتمع الدولي: إلى متى سيبقى الصحفي هدفًا بدل أن يكون شاهدًا؟