10 أيار , 2026

من كامب ديفيد إلى “اتفاقيات أبراهام”... هل يواجه لبنان فخّ الوعود الأميركية؟

بين “السلام الموعود” وواقع الهيمنة: ماذا تعلّم العرب من تجارب التطبيع مع إسرائيل؟

عاد الحديث عن “الضمانات الأميركية” للبنان إلى الواجهة مجددًا، بعد التسريبات والتصريحات التي تحدّثت عن إمكانية عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية أميركية، مقابل وعود تتعلق بالسيادة الكاملة، وحماية الحدود، وإعادة الإعمار، والدعم الاقتصادي والإنساني.

لكن هذا الطرح لم يمرّ مرور الكرام داخل لبنان والمنطقة، بل أعاد فتح ملف طويل من التجارب العربية مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، من كامب ديفيد إلى أوسلو ووادي عربة واتفاقيات أبراهام، وصولًا إلى السودان وسوريا.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:

هل كانت الضمانات الأميركية يومًا ضمانات حقيقية؟ أم مجرد أدوات لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم التفوق الإسرائيلي؟


كامب ديفيد: استعادة سيناء... مقابل قيود السيادة؟

شكّلت اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 أول اختراق عربي كبير في مسار التسوية مع “إسرائيل”، وقدّمت حينها على أنها بوابة السلام والاستقرار والتنمية لمصر.

صحيح أن القاهرة استعادت سيناء رسميًا، لكن الاتفاقية فرضت في المقابل ترتيبات أمنية معقدة قيّدت الوجود العسكري المصري في أجزاء واسعة من شبه الجزيرة، وربطت أي تعديل أمني بموافقة إسرائيلية.

ومع مرور السنوات، تصاعد الجدل داخل مصر حول جدوى الاتفاقية، خصوصًا مع استمرار الأزمات الاقتصادية وتراجع الدور الإقليمي المصري، إضافة إلى توسّع النفوذ الإسرائيلي في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد.

حتى الوعود الاقتصادية الضخمة التي رافقت الاتفاق لم تتحقق بالشكل الذي روّج له، بينما تحوّلت اتفاقيات مثل “الكويز” إلى نموذج للارتباط الاقتصادي المشروط بالمكوّن الإسرائيلي.


أوسلو: من حلم الدولة الفلسطينية إلى إدارة الاحتلال

عندما وُقّعت اتفاقية أوسلو عام 1993، قُدّمت للعالم باعتبارها الطريق الأقصر نحو قيام دولة فلسطينية مستقلة.

لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو الحصيلة مختلفة تمامًا:

  • توسّع استيطاني غير مسبوق.
  • تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق نفوذ.
  • تبعية اقتصادية وأمنية خانقة.
  • سلطة محدودة الصلاحيات بلا سيادة فعلية.

بدل إنهاء الاحتلال، تحوّل “المسار التفاوضي” إلى آلية لإدارة الصراع، بينما استخدمت “إسرائيل” الاتفاق لتكريس وقائع جديدة على الأرض.

ويرى كثير من الباحثين أن أوسلو لم تؤسس لدولة، بل أعادت صياغة القضية الفلسطينية ضمن إطار إداري يخدم أمن الاحتلال أكثر مما يخدم حقوق الفلسطينيين.


الأردن ووادي عربة: سلام بارد وأزمات مستمرة

في عام 1994، دخل الأردن رسميًا في اتفاقية سلام مع “إسرائيل” عبر معاهدة وادي عربة، تحت عنوان الاستقرار الإقليمي وحل الملفات الحدودية والمائية.

لكن بعد سنوات طويلة، بقيت الملفات الأكثر حساسية عالقة:

  • أزمة المياه لم تُحل جذريًا.
  • التلوث البيئي والإشعاعي بقي مصدر قلق.
  • الأسرى الأردنيون ظلوا ورقة ضغط.
  • الاقتصاد الأردني لم يشهد القفزة الموعودة.

أما القضية الفلسطينية، التي قيل إن الاتفاق سيدعم حلّها، فازدادت تعقيدًا مع تصاعد الاستيطان وتهويد القدس.


السودان: التطبيع مقابل رفع العقوبات... ثم الانفجار الداخلي

في السودان، جاء التطبيع مع “إسرائيل” عام 2020 ضمن صفقة أميركية واضحة:
رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب مقابل الانخراط في مسار التطبيع.

لكن النتيجة لم تكن استقرارًا سياسيًا أو انتعاشًا اقتصاديًا، بل تفاقمًا في الانقسامات الداخلية، وانهيارًا تدريجيًا للدولة، وصولًا إلى الحرب الدامية بين مراكز القوى العسكرية.

وتشير دراسات عديدة إلى أن التطبيع استُخدم كأداة لتعزيز شرعية المكوّن العسكري أكثر من كونه مشروعًا وطنيًا جامعًا.


الخليج واتفاقيات أبراهام: اقتصاد متطور... وأمن هش

روّجت الإمارات والبحرين لاتفاقيات أبراهام باعتبارها شراكة استراتيجية جديدة تؤسس لعصر من الازدهار والتكنولوجيا والتعاون الأمني.

وبالفعل، تحققت مكاسب اقتصادية واستثمارية كبيرة، لكن التجربة الأمنية كشفت حدود “الضمانات الأميركية”.

فعندما تعرّضت الإمارات لهجمات صاروخية ومسيرات مرتبطة بالتوتر الإقليمي، اكتفت واشنطن بالدعم الدفاعي غير المباشر، من دون تدخل عسكري حاسم.

وهنا ظهر التحول الحقيقي في الاستراتيجية الأميركية:

لم تعد واشنطن تقدّم “حماية كاملة”، بل تسعى إلى “تمكين الحلفاء” للدفاع عن أنفسهم.


سوريا: التفاوض تحت النار وخسارة الجغرافيا

في سوريا، ترافقت التحولات السياسية الأخيرة مع تحركات إسرائيلية سريعة داخل المنطقة العازلة في الجولان، بالتزامن مع تسريبات عن مفاوضات غير معلنة بوساطة أميركية.

لكن ما جرى على الأرض كشف حقيقة مختلفة:

  • توسيع الاحتلال لمناطق جديدة.
  • إقامة قواعد ومنشآت عسكرية.
  • تقييد حركة قوات الأمم المتحدة.
  • فرض وقائع جيوسياسية جديدة.

أي أن التفاوض لم يوقف التمدد الإسرائيلي، بل تزامن معه.


لبنان اليوم: هل يتكرر السيناريو نفسه؟

في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، وعودة الحديث عن “التفاوض المباشر” و”الضمانات الأميركية”، ينقسم اللبنانيون بين من يرى في هذا المسار فرصة للخروج من الحرب، ومن يعتبره مقدمة لإدخال لبنان في منظومة تطبيع سياسي وأمني طويلة الأمد.

اللافت أن كل التجارب السابقة تكشف نمطًا متكررًا:

الوعود الأميركية كانت دائمًا أكبر من النتائج الفعلية.

فالدول العربية التي دخلت هذا المسار حصلت على تفاهمات أمنية أو مكاسب محدودة، لكنها لم تحصل على ضمانات حقيقية تمنع الاعتداءات أو تفرض توازنًا مع “إسرائيل”.

وفي المقابل، استطاعت تل أبيب:

  • توسيع نفوذها الإقليمي.
  • تفكيك جبهة الصراع العربية.
  • تعزيز حضورها الأمني والاقتصادي.
  • فرض وقائع جديدة بالقوة.

الخلاصة: هل المطلوب سلام أم إعادة تشكيل المنطقة؟

تكشف التجارب الممتدة من مصر إلى فلسطين والأردن والسودان والخليج وسوريا، أن السياسة الأميركية في المنطقة لم تكن يومًا حيادية بالكامل، بل ارتبطت باستراتيجية أوسع هدفها حماية التفوق الإسرائيلي وإعادة رسم موازين القوى الإقليمية.

أما الشعارات المرتبطة بالسيادة والاستقرار والازدهار، فقد اصطدمت مرارًا بواقع مختلف:

  • احتلال يتمدد.
  • سيادة تتآكل.
  • تبعية اقتصادية وأمنية.
  • وصراعات لا تنتهي.

ومن هنا، يبدو السؤال اللبناني اليوم أكثر حساسية من أي وقت مضى:

هل يمكن للبنان أن يحصل فعلًا على الأمن والسيادة عبر هذه المعادلات؟

أم أن المنطقة أمام نسخة جديدة من الوعود القديمة نفسها؟

 
Add to Home screen
This app can be installed in your home screen