نور شمس.. الاحتلال يهدم المنازل ويستهدف ذاكرة المكان
بعد عام ونصف العام من التهجير القسري، عاد عدد من أهالي مخيم نور شمس شرق طولكرم إلى مخيمهم لساعات محدودة، عقب تنسيق سمح لهم بتفقد منازلهم فقط. لكن العودة التي انتظروها طويلاً تحولت إلى صدمة قاسية، بعدما وجدوا مخيماً فقد ملامحه وتحول إلى مساحة واسعة من الركام والخراب.
لم تقتصر جرائم الاحتلال الإسرائيلي في مخيم نور شمس على هدم المنازل وتدمير البنية التحتية، بل امتدت لتطال هوية المكان وذاكرته الجماعية. فالجرافات الإسرائيلية اجتثت الشوارع والأحياء والمعالم التي ارتبطت بحياة آلاف الفلسطينيين على مدار عقود، في محاولة لطمس معالم المخيم وتاريخه.
وخلال عودتهم المؤقتة، اشتكى الأهالي من الإجراءات العسكرية المشددة التي فرضها الاحتلال، حيث أجبر العديد منهم على تسليم هوياتهم الشخصية وهواتفهم المحمولة لساعات طويلة قبل السماح لهم بالدخول، وسط عمليات تفتيش وإجراءات وصفوها بالمهينة.
ومع أولى خطواتهم داخل المخيم، فوجئ السكان بحجم الدمار الذي جعل كثيرين عاجزين عن التعرف على مواقع منازلهم أو أحيائهم. فمنازل سويت بالأرض بالكامل، وأخرى أحرقت أو تضررت بشكل بالغ، فيما اختفت معالم كانت تشكل جزءاً من ذاكرة المكان وحياة سكانه اليومية.
أحد المشاهد الأكثر إيلاماً كان وقوف الأهالي أمام منازل ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ليجدوها مدمرة ومحترقة بعد سنوات طويلة من الاستقرار فيها. ورغم قسوة المشهد ومرارة التهجير، أكد كثيرون تمسكهم بحقهم في العودة وإعادة بناء ما دمره الاحتلال.
كما عبّر عدد من السكان عن صدمتهم بعد دخول منازلهم على أمل استعادة بعض المقتنيات الأساسية، ليكتشفوا أن الأثاث والأجهزة المنزلية والبنية الداخلية للمنازل تحولت إلى ركام متناثر تحت أكوام الغبار والحجارة.
وفي مقابل مشاهد الدمار، بدت بعض التفاصيل الصغيرة وكأنها انتصار للحياة على الخراب؛ إذ تمكنت بعض العائلات من العثور على مقتنيات بسيطة بقيت في أماكنها رغم مرور أشهر طويلة على التهجير، فحملت ما استطاعت منها قبل العودة إلى مراكز الإيواء التي تقيم فيها.
وبحسب تقديرات رسمية، هدم الاحتلال منذ بدء عملياته العسكرية في مخيمي نور شمس وطولكرم نحو 600 منزل بشكل كامل، وأكثر من 2500 منزل بشكل جزئي، ما أدى إلى تهجير مئات العائلات ونزوح ما يقارب 25 ألف فلسطيني.
بين الركام والبيوت المهدمة والذكريات المبعثرة، تتجسد في مخيم نور شمس صورة جديدة من معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال. فهنا لا يقتصر الاستهداف على الحجر فحسب، بل يمتد إلى الإنسان والذاكرة والتاريخ، في محاولة مستمرة لاقتلاع شعب يتمسك بأرضه رغم كل ما يتعرض له من تدمير وتهجير.